محمد سعيد الطريحي

45

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

بعد أن كانت قد استولت على دهلي ثم دخلت آجرا نفسها عقب موت همايون ، حتى رآى بعض رجال الدولة الارتداد من جديد عن الهند إلى كابل . إذ أمكن لهذا القائد التركماني القدير ، بقواته التي لم تكن تعدو العشرين ألفا من الجند ، أن يترل آخر الأمر بعدوه وجنوده المائة ألف هزيمة حاسمة ألقت الرعب في قلوب جميع الخارجين على السلطان الجديد من بقايا أسرة شير شاه سورى جميعا . والتفت بيرم خان من بعد ذلك في عزم إلى تنظيم وإدارة الحكم ، كما عنى عناية فائقة بتثقيف أميره وحضه على طلب المعرفة ، ثم بعث من بعد ذلك بالجند لاسترداد ما فقدته الدولة من أراض ، فلم يمض عامان حتى عادت لها حدودها القديمة التي كانت لها أيام مؤسسها . وقد نشأ أكبر في ظروف عصيبة ، فلم يحظ بعناية من أبيه البعيد عنه ، ولم يتعلم مثل أولاد الملوك ، وحينما اعتلى العرش لم يكن يحسن القراءة والكتابة بل انصرف باختياره عن التعلم لكنه كان رجلا فريدا في حدة الذكاء والألمعية ، قويا ودقيقا في ملاحظاته ، متعطشا للمعرفة ، تشوق منذ صغره للدين ودرسه سماعا على المشايخ الذين كانوا يحضرون عنده أو يلتقيهم في المواسم الدينية وما أكثرها في الهند يومذاك ، وقد روى المؤرخون الكثير من النوادر التي تدل على اصالته الدينية وتعلقه بالاسلام ومن ذلك : أنه تجشم الملك عناء السفر مشيا على الأقدام إلى « أجمير » شكرا للّه تعالى على ولادة ابنه سليم وعرّج على دهلي في الرجوع منه ، وزار قبور الأولياء والصالحين . توجه إلى « أجودهن » وزار شيخ المشايخ فريد الدين كنج شكر ، « سافر إلى » أجمير « في أوائل شعبان ، ومشى سبعة فراسخ على الأقدام ، حتى زار الضريح ، ونذر الطبول ، وقضى وقتا طيبا في مصاحبة العلماء والصالحين ، وحضور مجالس الذكر » . « وكان يشتغل - باستغراق - في ذكر « يا هو » و « يا هادي » في مصلاه ، وجاء في حوادث عام 980 ه حديث أمره لبناء ثلاث عمارات خاصة بعبادته » . « كان يطلب - كل ليلة الجمعة في مصلاه ، الأشراف والمشايخ والعلماء ويحضر الملك حلقة من العلماء ، ويباحثهم في المسائل والأحكام ، وصدر الأمر في هذه الفترة إلى القاضي جلال وغيره من العلماء بتفسير القرآن الكريم » .